الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال

رسالة الطيف للمنشئ 71

رسائل طيف الخيال في الجد والهزل

وقال كمال الدين بن العديم « 1 » : فوا عجبا من ريقها وهو طاهر حلال * قد أمسى عليّ محرّما

--> - أشد لدغا من وخز الإشفى ، ولكنه يرى بعض الشر أهون أو يحاسب نفسه بحجة لا تصرف ولا تكسر ، وهذا قسم لا يذم آتيه ، ولا يلازم فاعله لأنه لا يحدث إلّا عن عظيمة ، ولا يقع إلّا عن فادحة إما لسبب لا يصبر على مثله الأحرار ، وإما لخطب لا مرد له تجرى به الأقدار ، وكفاك من الموصوف به أنه ليس بناس لكنه ذاكر ، وذو حنين واقف على العهد ، ومتجرع مرارات الصبر والفرق العامي بين المتصبر والناس أنك ترى المتصبر وإن بدا غاية الجلد وأظهر سبّ محبوبة والتحمل عليه لا يحتمل ذلك من غيره وفي ذلك أقول قطعة منها : دعوني وسبي الحبيب فإنني * إن كنت أبدي الهجر لست معاديا ولكن سبي الحبيب كقولهم * أجاد فلقّاه الإله الدواهيا والناس ضد هذا . وكل هذا فعلى قدر طبيعة الإنسان وإجابتها وامتناعها قوة تمكن الحب من القلب أو ضعفه وفي ذلك أقول ، وسميت السالي فيه المتصبر قطعة منها : ناس الأحبة غير من يسلوهم * حكم المقصّر غير حكم المقصر ما قاصر للنفس غير محبيها * ما الصابر المطبوع كالمتصبر والأسباب الموجبة للسلو المنقسم إلى هذين القسمين كثيرة وعلى حسبها وبمقدار الواقع منها يعذر السالي أو يذم . فمنها الملك ، وقد قدمنا الكلام عليه ، وإن كان سلوه عن ملك فليس حبه حقيقة ، والمتسم صاحب دعوة زائفة ، وإنما هو طالب لذة ومبادر شهوة والسالي من هذا الوجه ناس مذموم . ومنها الاستبدال : وهو وإن كان يشبه الملل ففيه معنى زائد ، وهو بذلك المعنى أقبح من الأول وصاحبه أحق بالذم . منها : حياء مركب يكون في المحب يحول بينه وبين لتعريض بما يجد فيتطاول الأمر وتتراخى المدة ويبلي جديد المودة ويحدث السلو . وهذا وجه وإن كان السالي عنه ناسيا ليس بمنصف إذ منه جاء سبب الحرمان . وإن كان متصبرا فليس بملوم إذ آثر الحياء على لذة نفسه . ( 1 ) كمال الدين بن العديم هو : محمد بن هبة اللّه العقيلي أبو غانم الشاعر ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ( 22 / 287 ) في وفيات من مات سنة سبع وعشرين وستمائة ولم يترجم له . وهو هنا يتعجب من طيب ولذة ريقها ، وكأنه قد ارتشف منه كثيرا ثم فارقها تفريقا يحرم عليه الاتصال بها غير أنه يفصح عن أنه لم يذقها كما لم يذق طعم الخمر وكلاهما قد حرم اللّه تعالى عليه فالخمر محرمة بما نص اللّه تعالى عليه في كتابه الكريم ، وأما هي فمحرمة تحريما مؤقتا إلا بالزواج الذي شرع اللّه ، غير أنه لم يتمكن من هذا الذي أباح اللّه فلهذا هي محرمة عليه ، وعلى الرغم من ذلك يتصور أنه قد ارتشف من ريقها وعرف لذة هذا كما عرف لذة الخمر وكلاهما لم يلمس فاه ، ولكن لشدة شوقه لهذا تخيله تخيلا يشبه عنده الحقيقة الملموسة .